طه عبد الرحمن

80

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية

" الحد " و " القطع " و " النبذ " هو نصيب الفعل الخلقي من حضارة القول ، وفي هذا منتهى ظلم الإنسان متى عرفنا أن الحقيقة الإنسانية لا تتحدد إلا بالأخلاق « 4 » ؛ لذا ، يتعين العمل على دفع هذا الظلم عن الإنسان حتى تعود إليه هويته . وهدفنا هنا هو بالذات أن نبيّن كيف أنه لا مخرج من هذه المضار الثلاث التي جلبتها حضارة القول إلا بتجديد للإنسان يتم على مقتضى تخلق جذري وكلّي هو أقرب إلى التجربة الدينية العميقة منه إلى غيرها ؛ فلا إمكان لولادة إنسان جديد من هذا الإنسان القديم الذي أنتجته هذه الحضارة الغربية إلا بتحول خلقي أشبه ما يكون بالتحول الخلقي الذي تباشره التجربة الدينية في مرتبة التأييد . وقد تقدم في الفصل السابق بيان هذه المرتبة ، وتمتاز أساسا بكون المتخلق فيها ما زال يتلبس بالمعاني الروحية ، حتى يكون هواه على وفق مقتضياتها ، فيحظى منها بالجمع بين المنفعة في مقاصده والنجاعة في وسائله ، متحققا بأخلاق الحكمة ، على خلاف التخلق في مرتبة التسديد التي لا يحظى فيها المتخلق إلا بالمنفعة في المقاصد وحدها ، مكتفيا بأخلاق الموعظة ، وبالأحرى على خلاف التخلق المجرّد الذي ليس لصاحبه حظ لا في منفعة المقاصد ولا في نجاعة الوسائل ، وإنما يكون عرضة لأن تنقلب المنفعة في مقاصده مضرة وتنقلب النجاعة في وسائله ضحالة ، منحصرا في أخلاق الجدل . أو قل ، بإيجاز ، لا بد للخروج من الآفات الخلقية لحضارة القول من فتح الطريق لإنشاء حضارة جديدة نسميها باسم " حضارة الفعل " ينهض بها التخلّق المستند إلى التجربة الدينية المؤيّدة ؛ فلنشتغل إذن بالتدليل على الدعوى التالية : * إن من شأن التخلّق المؤيّد أن يخرج الإنسان من حضارة القول إلى حضارة الفعل . وسوف نتبع في تدليلنا على هذه الدعوى الخطوات الثلاث الآتية : أولاها ، نبين كيف أن الخصائص التي يتميز بها التخلّق المؤيّد تفيد في دفع آفة تضييق الفعل الخلقي . والثانية ، نبين كيف أن الطرق التي يتبعها التخلّق المؤيّد تفيد في دفع آفة تجميد الفعل الخلقي . والثالثة ، نبين كيف أن النتائج التي يتوصل إليها التخلّق المؤيّد تفيد في دفع آفة تنقيص الفعل الخلقي .

--> ( 4 ) سيأتي تفصيل هذه المسألة في الفصل السادس .